رؤية على تاريخ مدينة تبريز

رؤية على تاريخ مدينة تبريز

استضافت مدينة تبريز – إضافة الى طبيعتها الجميلة – من زمن غابر الحضارات البشرية. كانت مدينة تبريز في عهود مختلفة عاصمة إيران أو من ضمن المدن الإيرانية المهمة، كما أنها كانت تقع على الطريق التجاري بين آسيا الوسطى و شرق آسيا و أروبا. يمكننا أن نقول بأنها مع كل الصعوبات التي تحملتها في تاريخها الطويل مدينة ورثت تاريخ و تراث ايران المجيد.

قبل الحكم الإسلامي

نظراً الى الحروب المتعددة و الكوارث الطبيعية كهزات أرضية و السيول لم تبقي آثار من عهد الإمبراطورية الفارسية في مدين تبريز لكن يوجد هناك وثائق تاريخية تشير بأنها في زمن الإمبراطورية الفرثية كانت مدينة صغيرة، بحيث أن في هجوم الأعراب على إيران كانت مدينة أردبيل – و ليس تبريز – الهدف الأساسي لهم في منطقة أذربيجان.

 عهد الحكم الإسلامي

تاريخ تبريز قبل الحكم الإسلامي و في زمن الامبراطورية الفارسية تاريخٌ غامض؛ لكنها بعد سقوط الإمبراطورية الفارسية في هجوم المسلمين عليها صارت مدينة واسعة و شهيرة التي تنتخب لعدة مرات كعاصمة ايران. تبدأ هذا العهد بغزو المسلمين لإيران. واجهت هذا الغزو بمقاومة عنيفة في محافظة أذربيجان لكنها في نهاية الأمر سقطت بيد الأعراب و بعد سقوطها كانت تحكم عليها لمدة قرون حكام و خلفاء عرب. و في ذلك العهد سافرت اليها الكثير من الأعراب من اليمن و باقي المناطق العربية و اخرجوا شعب الخزر من أذربيجان. مع أن الأذربيجانيين اسلموا في بداية الأمر لكنهم كانوا يكافحون الظلم الأموي و العباسي؛ أبرزها كانت ثورة بابك الخرمي الذي ثارت ضد الخلافة العربية في أذربيجان. قلعة بابك كانت المطنقة الوحيدة في إيران التي ما سقطت بيد الأعراب.

الحكومات المحلية في تبريز في بداية عهد الحكم الإسلامي

المورخ الإيراني سيد احمد كسروي في كتابه  بإسم ملوك غيرمعروفين يقول بأن أول حكومة محلية مستقلة حكمت على أذربيجان في العهد الاسلامی کانت حکومة سالاريان و كانت أشهر حاكم في هذه الحكومة شخص بإسم سالار مرزبان؛ الحاكم الشيعي الذي ما كان فقط يقاوم نفوذ العباسيين في أذربيجان بل كان يقاوم هجمات الروس عليها.

بعد انحطاط حكومة سالاريان، وصلت الحكومة بيد الروادية في الجنوب و الشداديين في شمال نهر آراس. انتخبت الروادية مدينة تبريز كعاصمتهم و بعدها مع سكونة الناس فيها صارت تبريز مدينة مزدهرة تدريجياً. كانت هذه أول مرة تنتخب تبريز عاصمة حكومة. بنيت بعدها قبيلة الأزديين سورٌ حول مدينة تبريز (الأزديين كانوا من أشهر قبائل اليمن و كان قائدهم شخص بإسم رواد الأزدي و الذي كان يحكم علي أذربيجان في عهد متوكل العباسي). في هذا الزمن، كانت الكوارث الطبيعية العدو الوحيد لإزدهار تبريز، كما كانت هناك في أقل من قرن هزتين أرضيتين مرعبتين أدت الى آلاف الضحايا و تدمير كل بنايات تبريز.

في عهد السلاجقة

بعد تلك الهزة الأرضية المرعبة، قام ملك روايي الذي نجا من الهزة بإعادة إعمار المدينة. استسلم ملك روايي بعد مدة قصيرة لطغرل، أول ملك من ملوك السلاجقة و بعدها، احتفلت طغرل بالقرب من تبريز بزواجها مع بنت الخليفة. و بعد مدة، سكن فيها الملك محمود الذي كان من سلاجقة العراقيين. يعتبر هذا العهد كعهد إزدهار اذربيجان؛ كما أن أشخاص كإبن سينا، الخطيب التبريزي، مسعود بن نامدار و قطران التبريزي كانوا من ثمرات هذا العهد.

تاريخ تبريز في عهد الدولة الإلخانية

غزا المغول في شتاء عام 1221 الميلادي منطقة أذربيجان و القوقاز. بعد سقوط مدينة كنجة، اردبيل و القوقاز بيدهم قاموا على غزو مدينة تبريز. و مع هروب حاكم تبريز من المدينة، فاوضت بعض من تجار المدينة مع المغول و وصلوا الى توافق التي وفقها كان على المغول عدم إحتلال المدينة و في المقابل، كان على أهالي تبريز دفع الجزية. تكررت هذه الأحداث ثلاثة مرات و في النهاية، سقطت المدينة إثر هجوم الإلخانيين.

يعتبر عهد الدولة الإلخانية عهد مزدهر من تاريخ إيران؛ بغض النظر عن بعض الحروب و المشاكل الداخلية. أسلم خلفاء هولاكوخان و حولوا تبريز و مراغة كعاصمة هذه الحكومة الى مركز للعلوم. سمي تبريز في هذا العهد بدارالسلطنة. تغيرت وضع ايران في هذا العهد فكرياً و فنياً و تجارياً، نظراً الى علاقات المغول مع ثقافات مختلفة كأروبا و الصين. أجمل بنايات التراثية المتبقية من ذلك العهد المتميزة بعمارتها التراثية هي قلعة تبريز الكبير، قبة السلطانية، مسجد مرند الكبير و قباب متعددة في مراغة.

مدينة قراقويونلو و أق قويونلو المزدهرة

بعد عهد الإلخانيين و نهاية امبراطورية تيمورلنك العابرة، هاجم شخص بإسم قرايوسف قراقويونلو على أذربيجان و قتل نجل تيمورلنكز  في النهاية و بعد حروب متعددة، وصل شخص بإسم جهانشاه قراقويونلو  الى سدة الحكم في منطقة أذربيجان و جزء من شمال غرب ايران. أدت حكومته التي طالت لمدة ثلاثون عاماً الى استقلال هذه المنطقة من الدولة التيمورية. انتهت هذا العهد المزهدر بسقوط هذه الدولة بعد هزيمتها في حرب مع دولة جرجيا.

زمن تبريز المجيد في عهد الصفويين

دخل الصفويين الى تبريز بعد هجوم الملك سليمان الصفوي عليها و هزيمة بيت آق قويونلو. غير الصفويين المذهب الرسمي في ايران المذهب الشيعي، و عملوا على إزدهار و إعمار المدينة. كانت تبريز عاصمة الصفويين الى أنهم غيروا العاصمة الى مدينة قزوين إثر عدة هزائم من العثمانيين. الهزائم التي – اضافة الى هزتين أرضيتين – غير مدينة تبريز من مدينة مزدهرة التي كانت عدد سكانها 300 ألف شخص الى مدينة ارواح ب30 الف شخص يسكنون فيها. عام واحد بعد الهزة الأرضية الثانية التي وقعت في عهد الشاه سلطان حسين الصفوي و بعد كل هذه الكوارث التي جرت في تبريز، قاومت مدينة تبريز ضد هجوم العثمنايين؛ الهجوم الذي وقعت تزامناً مع هجوم الأفغانيين و احتلال اصفهان. يلمع اسم تبريز في التاريخ بهذه الملحمة.

تبريز في عهد القاجاريين

دمرت أكثر البنايات التاريخية في مدينة تبريز إثر هزة أرضية ضربتها قبل بداية الدولة القاجارية و لذلك، أكثر البنايات التاريخية الموجودة في تبريز بنيت في عهد القاجاريين. كانت تبريز في عهد القاجاريين مدينة يسكن فيها ولي العهد، و كان الملوك القاجاريين يتعلمون فيه الكفاءة السياسية و لهذا السبب، كانت تبريز في زمن القاجاريين مدينة مزدهرة جداً. عباس ميرزا – ولي العهد – قام بأعمال كثيرة لإعمار تبريز، منها بناء مصنع عسكري، مصنع لصنع المدفعية و الذخيرة، محلات تجارية، دارالطباعة و نشر العلوم الحديثة. بعد عباس ميرزا، مضت أيضاً زمن ولاية عهد الملك ناصرالدين و الملك مظفرالدين في تبريز.

بعد حرب الإيرانية الروسية و هزيمة ايران، سقطت 17 منطقة مهمة في شمال نهر آراس بيد الروس؛ الأمر الذي يعتبر رمزاً من عدم وجود الكفاءة السياسية بين ملوك القاجار. عدم كفاءة القاجاريين، اضافة الى الفقر و الظلم و روح الحداثة و الاصلاح دفع ايران الي الثورة الدستورية، و سبباً لهذه الثورة خاصة ثورة شعب أذربيجان و تبريز و مقاومتهم الملحمي ضد الاستبداد، سقطت حكومة محمدعلي شاه القاجاري، و غيرت ايران الى دولة ملكية دستورية.

بدء الحديث عن هذه المادة!

Share on telegram
Share on pinterest
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
شارك هذا المقال على وسائل التواصل الاجتماعي

اترك رد

avatar
  الاشتراك  
إخطار من